محمد جمال الدين القاسمي

380

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 144 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً ( 144 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ، أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً هذا نهي عن موالاة الكفرة . يعني مصاحبتهم ، ومصادقتهم ، ومناصحتهم ، وإسرار المودة إليهم ، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم . كما قال تعالى : لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ . وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [ آل عمران : 28 ] . أي : يحذركم عقوبته في ارتكابكم نهيه . ولهذا قال هاهنا أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً أي : حجة عليكم في عقابكم بموالاتكم إياهم . وقد دلت الآية على تحريم موالاة المؤمنين للكافرين . قال الحاكم : وهي الموالاة في الدين والنصرة فيه . لا المخالقة والإحسان . قال الزمخشريّ : وعن صعصعة بن صوحان أنه قال لابن أخ له : خالص المؤمن وخالق الكافر والفاجر . فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن . وأنه يحق عليك أن تخالص المؤمن . قال أبو السعود : وتوجيه الإنكار إلى الإرادة دون متعلقها بأن يقال : أتجعلون . . . إلخ ، للمبالغة في إنكار ذلك ، وتهويل أمره ببيان أنه مما لا يصدر على العاقل إرادته ، فضلا عن صدور نفسه . كما في قوله عز وجل : أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ [ البقرة : 108 ] . لطيفة : روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال : كل سلطان في القرآن حجة . وكذا قال غيره من أئمة التابعين . قال محمد بن يزيد : هو من ( السليط ) . وهو دهن الزيت لإضاءته . أي : فإن الحجة من شأنها أن تكون نيّرة . وفي ( البصائر ) إنما سمى الحجة سلطانا لما يلحق من الهجوم على القلوب . لكن أكثر تسلطه على أهل العلم والحكمة . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 145 ] إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ( 145 ) إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ قرئ بسكون الراء وفتحها الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ أي الطبق الذي في قعر جهنم . والدرك كالدرج . إلا أنه يقال باعتبار الهبوط . والدرج